حبيب الله الهاشمي الخوئي

158

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والعدل عليه كعدم ثقل عمله بهما فرّع عليه قوله ( فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ) أي لا تمسكوا عنها وفيه تلطف لهم ( أو مشورة بعدل ) وفيه تطييب لقلوبهم ولهذه النّكتة أيضا أمر اللَّه نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في قوله » وشاورهم في الأمر « بالتشاور من دون حاجة لأحد منهما إلى استخراج الوجه بالمشاورة لعلمهما بوجوه المصالح جميعا في الحرب وغيرها . وأمّا التعليل بقوله ( فانّي لست في نفسي بفوق ان اخطى ولا آمن ذلك من فعلى إلَّا أن يكفى اللَّه من نفسي ما هو أملك به منّى ) فانّما هو من الانقطاع إلى اللَّه والتّواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ وعدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبوديّة والاقرار بأنّ عصمته عليه السّلام من نعمه تعالى . وليس اعترافا بعدم العصمة كما يتوهّم بل ليست العصمة إلَّا ذلك فانّها عبارة عن أن يعصم اللَّه العبد من ارتكاب الخطاء والمعصية وقد أشار إليه بقوله : إلَّا أن يكفى اللَّه ، على حدّ قول يوسف الصدّيق عليه السّلام » وما أبرّء نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء إلَّا ما رحم ربّى « وأراد بقوله ما هو أملك به العصمة من الخطاء فانّه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد نفسه ثمّ اتبعه بمزيد الهضم وسوّى بينهم وبينه وقال ( فانّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ) ويعصمنا ممّا لا نقدر أن نعتصم منه بأنفسنا من مكاره الدّنيا والآخرة ( وأخرجنا ممّا كنّا فيه ) من الجهالة وعدم العلم والمعرفة ( إلى ما صلحنا عليه ) من الكمالات الَّتي يسّرها لنا ببعثة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى ) . قال الشّارح المعتزلي : ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه لأنّه لم يكن كافرا فأسلم ، ولكنّه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من إفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الدّاخلة فيها نفسه توسّعا ، ويجوز أن يكون معناها لولا ألطاف اللَّه تعالى ببعثة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لكنت أنا وغيرى على مذهب الأسلاف .